محمد كمال شحادة
214
تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية
ويتتبع تاريخ هذه الأرض فصلا فصلا ويطلع على حالاتها منذ أن أبرزتها يمين الخالق إلى الوجود حتى هذا الزمان . وبعد أن أشاع ليل رأيه بخمس وعشرين سنة وأثبت لأهل العلم أن ماضي الأرض يعرف من النظر في حاضرها وكشف الأسباب الفاعلة فيها ، قام داروين الطبيعي الشهير وألقى على الملأ كتابه المعروف بأصل الأنواع وأشار فيه بأننا إذا أمعنا النظر في الأسباب العاملة اليوم في المخلوقات الحية من حيوان ونبات تيسر لنا أن نعرف الأسباب التي سببت على توالي الأجيال التباين العظيم والتشكل العجيب الذي نشاهده اليوم بين الحيوانات والنباتات . فجرى على المبدأ الذي جرى عليه تشارلس ليل قبله ولم تكن إشارته هذه حدثا مجردا ولّده الخيال ، بل نتيجة أتعاب كثيرة استغرقت عشرين سنة جمع فيها الحوادث وأعمل النظر فيها لعله يجد الأسباب التي طلب وجودها . ثم أشار بما أشار اعتمادا على درسه وفحصه الدقيق الطويل . ولكنكم تعلمون كم لقي مذهبه من الخصوم والمقاومين وكيف تلاعب به الشراح ولوثه المفسرون ، كل ذلك لأنه يؤول إلى إبطال بعض الآراء التي تمسك بها الناس تمسكا شديدا كأنها بعض دينهم . وأما من جهة مناسبة هذا المذهب لتعليل الحوادث وكفاءته لتبيين أسباب كل المسببات التي يطلب تعليلها به فلا يمكنا أن نحكم الآن حكما باتا إذ لا يزال توجد أمور كثيرة تحتاج إلى التحقيق والإثبات والفحص والتمحيص قبل القطع في الحكم عليها . ولكن سواء أكان هذا المذهب يفي بكل ما يطلب منه أو لا يفي فلا ريب في أنه مبني على أساس علمي وطيد وإنه رقّى عقولا كثيرة وكشف الغطاء عن حقائق عديدة . ولذلك ذكرته لكم مثالا على تحول المعرفة إلى العلم بالإمعان الطويل والفكر الدقيق . فقد ظن غيركم أنه إذا ثبت هذا المذهب تنحط عظمة الإنسان ، وأما نحن فما